الدكتور منير القادري يبحث الظمأ الروحي والاختلال الإجتماعي والحاجة إلى مقدمات تربوية وأخلاقية صحيحة   

 الظمأ الروحي الذي يعانيه الانسان المعاصر وعدم قدرته على تحقيق التوازن بين متطلباته المادية والروحية، والاختلال الاجتماعي الذي يطبع الحياة الإنسانية المعاصرة، والإجابات التي يقدمها الاسلام لكل ذلك، والدور الذي تطلع به التربية الصوفية في تحقيق هذا التوازن ، محاور تطرق لها رئيس مؤسسة الملتقى الدكتور مولاي منير القادري في مداخلته مساء السبت الثامن والعشرين من الشهر الجاري في الليلة الرقمية 106، المنظمة  من طرف مشيخة الطريقة القادرية البودشيشية ومؤسسة الملتقى بتعاون مع مؤسسة الجمال ضمن فعاليات ليالي الوصال الرقمية ” ذكر وفكر”.

أشار في مستهلها الى أن تخبطَ الإنسان المعاصر في المشاكل النفسية والاجتماعية يدل على أنه في بحث عن توافق بين احتياجاته المادية والروحية مع عدم قدرته على تحديد قاعدة مشتركة بينهما وافتقاده للآليات الناجعة التي تمكنه من تحقيق هذا التوازن المطلوب.  

 واعتبر أن ما قدمه الإسلام -و ما يزال يقدمه- للبشرية من هداية حقيقية كاملة عبر تعاليمه الحكيمة من معاني تسمو بالنفس البشرية عن مقامات إتباع الهوى والتحقق بمقام الإحسان، هي السبيل الأوحد الذي يحقق الأماني الفطرية التي يبحث عنها كل إنسان في كل زمان ومكان، مستدلا بآيات من القرآن الكريم وأقوال مأثورة.

وأوضح أن أصل الصلاح البشري ليس بلوغ التطور المادي وإنما التوفر على فكر سليم وروح نقية وقيم نبيلة، محذرا في نفس الوقت من أن غيابها يؤدي الى الانحدار الأخلاقي.

ونبه الى أن الإنسانية فقدت الانسجام مع ذاتها و المصالحة مع قيمها، و صارت تعيش واقعا سمته الاختلال و ضعف الوازع الأخلاقي و تفشي حالات انعدام الاحساس بالمسؤولية ، وأردف أن هذا يظهر بصفة جلية  في السلوك التربوي الديني لأفراد مجتمعاتنا، من خلال اكتفائهم بالتركيز على الجانب التعبدي الرمزي والطقوسي للأمور الدينية، دون استحضار دور الأخلاق و القيم  في معاملاتنا اليومية مع سائر الخلق. 

وحذر من أن هذا الأمر يولد لدى الآخر المخالف المتلهف إلى معاني إيمانية تنقذه من براثن الحياة المادية الاستهلاكية تصورا فكريا خاطئا عن حقيقة هذا الدين فيعتبره عبادة شكلية خالية من أي جوهر أو مضمون أو معنى او رسالة سامية أو ديناميكية حركية في هذه الحياة.

وشدد على أن التربية على مكارم الأخلاق ومناهج الفتوة وفن صناعة الرجال ليست أقوالا فحسب بقدر ما هي تطبيق عملي لمناهج مدرسة التصوف- مقام الإحسان- حتى تتجسد واقعا ملموسا في حياة الأفراد و المجتمعات.

ودعا الى الاستفادة  من أجمل ما في تراثنا وماضينا من قيم ومبادئ، مع الانخراط في الواقع المعاصر، والاهتمام بكل أحداثه ووقائعه وشؤونه المختلفة، مبينا أن هذا يتطلب منا البحث الجدي عن مضامين معرفية جديدة، تؤهّلنا لـ “التكيّف الإيجابي” مع معطيات هذا العالم و الانخراط في مسيرة تنموية اقتصادية واجتماعية و ثقافية سمتها و طابعها الرقي الأخلاقي، واستطرد القادري ” علينا أن نساهم في عملية البناء الفكري و الحضاري لأمة  الإسلام، بناء يصوب سهامه إلى مكامن الجهل ومفاصل الترهل في مجتمعاتنا المتعطشة إلى نور مقامات الإحسان و درجات العلم والمعرفة التي تسمو بالإنسان”.

و أكد على الحاجة الملحة الى “ضرورة العمل على بلورة مقدمات تربوية صحيحة يمكن إبداعها لتكون حصنا واقيا و ملاذا للناشئة من أجيالنا..  تملأ جوانب حياتهم النفسية والوجودية حبا و رغبة في الصلاح و الإصلاح، تدفعهم باتجاه العمل والجهاد والكفاح في سبيل نهضة الاوطان و احتلال مواقع أكثر تقدماً ورقياً في الحياة الإنسانية والإبداعية من موقع الوعي الجمالي بالحياة والوجود والإنسان..”.

 وبين أهمية التربية  الصوفية- الإحسانية التي هي  منظومة أخلاقية، قادرة بفضل خصائصها التربوية من إصلاح الباطن قبل الظاهر  و تمكين الانسان من الوسائل و الآليات التي تمكنه من التعرف على أعطاب نفسه، و مكامن خللها والترقي في مدارج السالكين العارفين الموصلين الواصلين من أجل غاية إصلاح عيوب هذه النفس لتصبح رغباتها متوافقة مع سلوكياتها وتصرفاتها الخفية والظاهرة.

  و أشار الى أن الطريقة القادرية البودشيشية و الطرق الصوفية الأصيلة تربي المريدين على نهج الشريعة المحمدية بغية التحلي بمكارم الأخلاق و المسارعة للخيرات و التشبث بالأذكار في السراء و الضراء حتى يكونوا لبنة في صرح بناء المجتمع و يتحقق فيهم قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم: (الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ…) رواه مسلم.

وفي ذات السياق أورد مقتطفا من نص الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس  نصره الله بمناسبة الذكرى 19 لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين:
 “”إن المغرب، بماضيه وحاضره ومستقبله، أمانة في أعناقنا جميعا. لقد حققنا معا، العديد من المنجزات في مختلف المجالات. ولن نتمكن من رفع التحديات وتحقيق التطلعات إلا في إطار الوحدة والتضامن والاستقرار، والإيمان بوحدة المصير، في السراء والضراء، والتحلي بروح الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة.
 
   وما أحوجنا اليوم، في ظل ما تعرفه بلادنا من تطورات، إلى التشبث بقيمنا الدينية والوطنية الراسخة، واستحضار التضحيات التي قدمها أجدادنا من أجل أن يظل المغرب بلدا موحدا، كامل السيادة وموفور الكرامة.”